كيف أصبح الشرق الأوسط محوراً لصندوق الثروة السيادية الإندونيسي الجديد

تُعد لومبوك مكانًا جيدًا للاستثمار في العقارات والسياحة (صورة: Instagram@hoteltugulombok، 28/05/2026)

الخميس، 28 مايو 2026

 

تدخل إندونيسيا حقبة مالية جديدة، ومن المثير للدهشة أن الشرق الأوسط بات أحد أهم شركائها. ويُظهر صندوق الثروة السيادية الإندونيسي الجديد، المسمى "دانانتارا إندونيسيا"، علاقات وثيقة مع دول الخليج مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

 

بدلاً من التركيز أولاً على المراكز المالية مثل نيويورك ولندن وسنغافورة، قررت إندونيسيا بناء علاقات استثمارية استراتيجية مع الشرق الأوسط. وبصراحة، يُشير هذا القرار إلى الكثير حول وجهة الاقتصاد العالمي.

 

أُطلق صندوق دانانتارا رسمياً عام 2025 في عهد الرئيس برابوو سوبيانتو. أُنشئ الصندوق لإدارة وتنمية أصول الدولة الإندونيسية، وجذب الاستثمارات الأجنبية طويلة الأجل. بعبارة أخرى، تسعى إندونيسيا إلى تعزيز قوتها المالية ومنافسة صناديق الثروة السيادية الكبرى من دول مثل سنغافورة والمملكة العربية السعودية.

 

ما يميز دانانتارا هو أول استثمار خارجي كبير لها. فبدلاً من شراء أصول في الدول الغربية، استثمر الصندوق في مكة المكرمة بالمملكة العربية السعودية. ومن خلال شراكة مع مطورين سعوديين، استحوذت دانانتارا على فندق نوفوتيل مكة مدينة ثاخر والأراضي المجاورة له بالقرب من المسجد الحرام. وتشمل الخطة طويلة الأجل تطوير آلاف الغرف الفندقية والمرافق التجارية لخدمة الحجاج الذين يزورون المدينة المقدسة.

 

لم تكن هذه الخطوة عشوائية. فإندونيسيا تضم أكبر عدد من المسلمين في العالم، ويسافر ملايين الإندونيسيين إلى المملكة العربية السعودية سنوياً لأداء فريضة الحج والعمرة. إن الاستثمار في مكة المكرمة لا يقتصر على تحقيق الأرباح التجارية فحسب، بل يتعداه إلى بناء روابط ثقافية ودينية. فهو يخلق علاقة مالية ذات طابع شخصي واستراتيجي في آن واحد.

 

يتمتع الشرق الأوسط بميزة أخرى مهمة: المال. تدير دول الخليج بعضًا من أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، والتي تُدار من عائدات النفط والطاقة. ووفقًا لعدة تقارير، استثمرت صناديق الثروة السيادية الخليجية عشرات المليارات من الدولارات عالميًا في عام 2025، وأصبحت آسيا إحدى وجهاتها المفضلة.

 

تُدرك إندونيسيا هذه الفرصة بوضوح. فمن خلال بناء الثقة مع دول الخليج مبكراً، تأمل دانانتارا في جذب استثمارات طويلة الأجل إلى قطاعات البنية التحتية والطاقة والسياحة والتكنولوجيا في إندونيسيا. وفي المقابل، يحصل المستثمرون من الشرق الأوسط على فرصة الوصول إلى أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا، وأحد أسرع الأسواق نمواً في العالم.

 

يبدو أن المملكة العربية السعودية، على وجه الخصوص، تُصبح شريكًا رئيسيًا. ففي عام 2026، أفادت التقارير أن شركة دانانتارا وشركة أكوا باور السعودية العملاقة للطاقة قد وقعتا اتفاقية ضخمة تركز على مشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والبنية التحتية للمياه. وهذا يدل على أن الشراكة تتوسع لتشمل مجالات أخرى غير الفنادق والسياحة الدينية.

 

ومن الأسباب الأخرى لأهمية الشرق الأوسط التوازن الجيوسياسي. تسعى إندونيسيا إلى تعزيز دورها الاقتصادي العالمي دون الاعتماد بشكل كبير على المؤسسات المالية الغربية. إن بناء علاقات أقوى مع دول الخليج يمنح إندونيسيا مزيداً من المرونة والنفوذ في شبكات الاستثمار الدولية.

 

في الوقت نفسه، تحوّل منطقة الخليج تركيزها نحو آسيا. وتستثمر دول مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة بقوة أكبر في الأسواق الآسيوية في إطار تنويع اقتصاداتها بعيداً عن النفط. وتُعدّ إندونيسيا مثالاً مثالياً لهذه الاستراتيجية نظراً لكثافة سكانها، ونمو طبقتها المتوسطة، ووفرة مواردها الطبيعية.

 

في نهاية المطاف، أصبحت العلاقة بين إندونيسيا والشرق الأوسط أوسع بكثير من مجرد صفقات تجارية بسيطة، فهي مزيج من الدين والاقتصاد والسياسة والاستراتيجية طويلة الأمد.

 

يُظهر صعود شركة دانانتارا أن إندونيسيا لم تعد تتطلع إلى الغرب فقط بحثاً عن شراكات مالية، بل إنها تبني توجهاً اقتصادياً جديداً، ويحتل الشرق الأوسط مكانة مركزية فيه.